الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
33
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ألفا هي العصا العظيمة ، قيل : هي كلمة من لغة الحبشة . وقرأ نافع وأبو عمرو بألف بعد السين . وقرأه ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف وهشام عن ابن عامر بهمزة مفتوحة بعد السين . وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر بهمزة ساكنة بعد السين تخفيفا وهو تخفيف نادر . وقرأ الجمهور : تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ بفتح الفوقية والموحدة والتحتية . وقرأه رويس عن يعقوب بضم الفوقية والموحدة وكسر التحتية بالبناء للمفعول ، أي تبين الناس الجنّ . و أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ بدل اشتمال من الجن على كلتا القراءتين . وقوله : تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ إسناد مبهم فصّله قوله : أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ف أَنْ مصدرية والمصدر المنسبك منها بدل من الْجِنُّ بدل اشتمال ، أي تبينت الجنّ للناس ، أي تبين أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب ، أي تبين عدم علمهم الغيب ، ودليل المحذوف هو جملة الشرط والجواب . و الْعَذابِ الْمُهِينِ : المذل ، أي المؤلم المتعب فإنهم لو علموا الغيب لكان علمهم بالحاصل أزليّا ، وهذا إبطال لاعتقاد العامة يومئذ وما يعتقده المشركون أن الجن يعلمون الغيب فلذلك كان المشركون يستعلمون المغيبات من الكهان ، ويزعمون أن لكل كاهن جنّيّا يأتيه بأخبار الغيب ، ويسمونه رئيّا إذ لو كانوا يعلمون الغيب لكان أن يعلموا وفاة سليمان أهون عليهم . [ 15 ] [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 15 ] لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ( 15 ) جرّ خبر سليمان عليه السلام إلى ذكر سبأ لما بين ملك سليمان وبين مملكة سبأ من الاتصال بسبب قصة « بلقيس » ، ولأن في حال أهل سبأ مضادة لأحوال داود وسليمان ، إذ كان هذان مثلا في إسباغ النعمة على الشاكرين ، وكان أولئك مثلا لسلب النعمة عن الكافرين ، وفيهم موعظة للمشركين إذ كانوا في بحبوحة من النعمة فلما جاءهم رسول من المنعم عليهم يذكرهم بربهم ويوقظهم بأنهم خاطئون إذ عبدوا غيره ، كذّبوه وأعرضوا عن النظر في دلالة تلك النعمة على المنعم المتفرد بالإلهية . وقال ابن عطية عند الكلام على قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا [ سبأ : 10 ]